أبي منصور الماتريدي
7
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بَشَرٌ [ النحل : 103 ] ، وإنه وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ، وإنه أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ، قد ظهر كذبهم بهذا فيما بينهم ؛ لأنهم متى رأوه اختلف إلى واحد منهم يعلمه ذلك ؟ ! أو متى رأوه كتب شيئا قط أو يحسن الكتابة قط ؟ ! وقولهم : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ؟ ! فإذا عرف تلك الأنباء والأحاديث التي كانت من قبل - ولا شك أنها لم تكن بلسانه ، وإنما كانت بلسان أولئك - دل إخباره عما في كتبهم بلسانه أنما عرف ذلك بالله تعالى « 1 » . وقوله : فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قال أهل التأويل : غدوّا وعشيّا ، فلو كان على ذلك لكان يحضرونه في البكرة والعشيّ ، فيسمعون ويشاهدون ما يملى عليه ؛ إذ الوقت وقت الحضور ، ولكن - عندنا - كأنهم أرادوا بالبكرة والعشيّ : أول الليل وآخره ، الأوقات التي هي ليست بأوقات الحضور والجلوس ، يقولون : يأتونه سرّا فتملى عليه ويعلمه ، فلو كان ذلك أيضا لكانوا يراقبونه ويحافظونه سرّا ؛ ليعرفوا ذلك ويشاهدوه ، فإذا لم يفعلوا ذلك دل أنهم كانوا يعرفون صدقه ، وأنهم كذبة في زعمهم ، لكنهم كابروه وعاندوه في ذلك . ثم أخبر أنه إنما أنزل عليه الذي يعلم السر في السماوات والأرض ؛ حيث قال : قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ليس بمختلق منه ولا مفترى ، ثم قوله : يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي : يعلم الأعمال الخفية والسرية من أهل السماوات والأرض ، أي : يعلم الكوائن التي في السماوات والأرض وخفياتها . وقال بعضهم : قوله : قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ أي : قل لهم يا محمد : أنزله - أي : هذا القرآن - الذي يعلم السر ؛ وذلك أنهم قالوا بمكة سرّا : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ المؤمنون : 24 ] فإنه بشر مثلكم ، بل هو ساحر أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [ الأنبياء : 3 ] ، ففي ذلك دلالة إثبات رسالته ؛ لأنهم قالوا سرّا فيما بينهم ثم أخبرهم بذلك ، دل أنه بالله عرف ذلك . وقوله : إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً في تأخير العذاب عنهم ، رَحِيماً حين لا يعجل عليهم بالعقوبة إذا تابوا ورجعوا عن التكذيب إلى التصديق على ما ذكرنا . وقوله : إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً في تأخير العذاب ، يحتمل قوله : غَفُوراً رَحِيماً إذا تابوا عن ذلك وآمنوا به ورجعوا إلى الحق ، أو غفور رحيم لا يعجل بالعقوبة أي : برحمته وفضله لا يعجل بعقوبتهم ؛ لعلهم يتوبون .
--> ( 1 ) ثبت في الحاشية : بلسان نفسه من غير أن يعرفوا له معلما ، ولا كان له معرفة بلسانهم ولا معرفة بالكتابة والقراءة عن الكتاب ، عرف أنهم عرفوا أنه علم ذلك بالله تعالى . شرح .